السيد حيدر الآملي
294
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
حاله أنّ يقول : « ربّ انظرني إلى يوم يبعثون » . وقوله : فأعطاه اللَّه النظرة ، لمّا كان الوهم باقيا في البدن هو وجنوده إلى يوم البعث حسن من لسان الحكمة الإلهيّة أن يقول إنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم وذلك معنى إعطائه النظرة ، قوله : « استحقاقا السخطة ، واستتماما للبليّة ، وإنجازا للعدة » . فقد عرفت أنّ البليّة نصب على المفعول له ، ثمّ إنّ إفساد ( فساد ) الوهم وابتلاء الخلق به والشرّ الصادر عنه أمور داخلة في القضاء الإلهي بالعرض فيصدق عليه أنّه مراد وأنّ الإنظار والإمهال له وكذلك استحقاق السخطة وإنجاز العدة ، واطلاق لفظ السخطة استعارة فإنّ السخط لمّا كان عبارة عن حالة للإنسان يستلزم وجود مغضوب عليه غير مرضيّ بأفعاله ، وكان حال إبليس في إنظار اللَّه إيّاه وفسوقه عن أمر ربّه مستلزما لإعراض اللَّه سبحانه عنه وعمّن عصاه بمتابعته كان هناك نوع مشابهة ، فحسن لأجلها إطلاق لفظ السخطة أمّا العدة فتعود إلى قضاء الحكمة الإلهيّة ببقاء الوهم إلى يوم البعث ، وإنجازها يعود إلى موافقة القدر لذلك القضاء ، وقال بعضهم : إنّه لمّا كان هاهنا صورة مطرودة ومبعّد وملعون حسن إطلاق ( لفظ ) السخطة واستحقاقها وانّه إنّما انظر لأجلها وهو ترشيح للاستعارة . قوله : « ثمّ أسكن اللَّه سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه ، وآمن فيها محلَّته وحذّره إبليس وعداوته » . ( في طهارة الإنسان بالفطرة ) أقول : الدار الَّتي أسكن فيها آدم هي الجنّة والإشارة هاهنا إلى ( أنّ ) الإنسان من أوّل زمان إفاضة القوّة العاقلة عليه إلى حين استرجاعها ما دام مراعيا لأوامر الحقّ سبحانه غير منحرف عن فطرته الأصليّة ولا معرض عن عبادته ولا ملتفت إلى غيره فإنّه في الجنّة وإن كانت الجنّة على مراتب كما قال تعالى : لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ [ سورة الزمر : 20 ] .